تقوم ثقافة كيرالا ونمط الحياة فيها على ثلاثة أعمدة: تقويم مهرجانات ما زال يدير شؤون القرى، وعادة قراءة وتعلم متجذرة منذ قرون، وأموال يرسلها العاملون في الخليج إلى ديارهم. وتُعد كيرالا ولاية على الساحل الجنوبي الغربي للهند، تأسست في 1 نوفمبر 1956 من المناطق الناطقة بالمالايالامية في المنطقة، بحسب ويكيبيديا. وبلغ عدد سكانها نحو 36 مليون نسمة في 2025.
الولاية شريط ضيق من الأرض، تقف تلال غاتس الغربية على جانب منها ويطل بحر العرب على الجانب الآخر. ويمتد ساحلها على طول 595 كيلومتراً، وما زال البحر يوفر قوتاً لشريحة كبيرة من سكانها؛ إذ يعتمد 1.1 مليون من أبناء كيرالا على صيد الأسماك، الذي يسهم بنحو 3 في المئة من دخل الولاية، وفق المصدر نفسه.
ولقرّاء الخليج، تحمل كيرالا أهمية مزدوجة: فهي من أبرز مصادر القوى العاملة الوافدة إلى المنطقة، واقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات التي يرسلها هؤلاء العاملون إلى أسرهم. وشهدت الولاية موجات هجرة واسعة نحو دول الخليج العربي خلال طفرة السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وما تزال التحويلات ركيزة أساسية للاقتصاد، كما تشير نظرة ويكيبيديا الشاملة إلى كيرالا. ويمكن للقراء المهتمين الاطلاع أيضاً على كيف تتغير ساعات العمل خلال رمضان في الخليج.
ما المهرجانات التي ترسم تقويم السنة في كيرالا؟
يرتكز التقويم على مهرجانين: أونام، مهرجان الحصاد، وفيشو الذي يوافق رأس السنة في التقويم المالايالامي. وتقيم المعابد والكنائس مهرجاناتها الخاصة على مدار العام، وتسري عليها عادة مشتركة: رفع راية مقدسة في اليوم الأول وإنزالها في اليوم الأخير، بحسب مقال ويكيبيديا بالإنجليزية المبسطة عن كيرالا.
وتقف مهرجانات المعابد المعروفة باسم «بورام» في الطرف الأكثر ضجيجاً من السنة، وأشهرها مهرجان تريشور بورام الذي يجمع الألعاب النارية مع أشكال الأداء التقليدية مثل تيام وكاتاكالي وتشاكيار كوثو. وتُعرف المهرجانات محلياً باسم «أوتسافام»، وهي ليست عروضاً مُعدّاً للزوار، بل مواعيد يرتّب حولها الناس سفرهم وزياراتهم للمعابد ومجالس طعامهم.
وتتجاوز تقاليد الأداء أيام المهرجانات؛ فكاتاكالي، وهو فن أداء هندوسي، وكالاريباياتو، فن قتالي قديم، من أبرز ما تشتهر به الولاية. وتعتمد الموسيقى على الإيقاع، ويشير المصدر نفسه إلى أن الناس يتابعون كرة القدم والكريكيت والبادمنتون باهتمام بالغ.
لماذا تقرأ كيرالا إلى هذا الحد؟
بلغ معدل معرفة القراءة والكتابة في كيرالا 95.3 في المئة في 2024، وهو من الأعلى في الهند، بحسب ويكيبيديا. والمالايالامية هي اللغة الرسمية للولاية إلى جانب الإنجليزية، ويستطيع أكثر من 90 في المئة من السكان قراءة المالايالامية، كما تسجل المقالة المبسطة.
القراءة عادة يومية لا مجرد رقم إحصائي. وتشير مقالة ويكيبيديا المبسطة إلى أن معظم السكان لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت والتلفزيون والصحف والكتب، وأن متوسط وقت القراءة يبلغ نحو سبع ساعات أسبوعياً. كما تتمتع كيرالا بأعلى نسبة تعرض للإعلام في الهند، وتُنشر صحفها بتسع لغات، أبرزها المالايالامية والإنجليزية.
وتنعكس هذه العادة في الحياة العامة؛ فالنقاش والسينما والأدب لهم وزنهم في مدن الولاية، والصيحة الصباحية لا تكتمل دون صحيفة إلى جانب الشاي. والخلاصة للزوار بسيطة: الحوارات تبدأ بالكتب والسياسة وكرة القدم، لا بالمجاملات العابرة.
كيف ترسم هجرة الخليج ملامح الحياة اليومية؟
يمتد مسار الأموال غرباً. فمنذ السبعينيات، اتجهت أجيال من المالاياليين إلى العمل في دول الخليج العربي، وتحولت تحويلاتهم إلى ركيزة أساسية لاقتصاد الولاية. وتصف ويكيبيديا اقتصاد كيرالا بأنه يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات جالية مالايالية واسعة في المهجر.
وتمتد الآثار إلى ما هو أبعد من الحسابات البنكية؛ فالمنازل تُبنى بأموال الخليج، والأعراس والرسوم الدراسية والمشاريع الصغيرة تُموَّل منها. والأسر الممتدة على شاطئين تحتفظ بتقويمين: مواعيد المهرجانات في الديار، وجداول الإجازات في موقع عمل في دبي أو الرياض. ولمن يوازن بين تجربة عمل في الخليج وما يمكن ادخاره، يقدم كم يمكن للوافدين ادخاره في الخليج صورة أوسع عن المشهد المالي.
كما غيّرت الهجرة المشهد العمراني؛ فالمدن الساحلية تحمل منازل بُنيت بأموال خليجية ومدارس موّلتها أيضاً. والحركة بين كيرالا والخليج تسير اليوم في الاتجاهين، حاملةً الناس والأموال وأذواق الطعام والتسوق وأساليب البناء.
ما إرث الأنظمة الأمومية الذي ما زال ظاهراً اليوم؟
اتّبعت أجزاء من كيرالا والمناطق الساحلية المجاورة عادات أمومية لقرون طويلة. وفي ظل هذه الأنظمة، كان النسب والميراث ينتقلان عبر خط الأم، وكان خال العائلة الأكبر سناً غالباً من يدير شؤون البيت. وقد تراجعت هذه الممارسة إلى حد كبير مع تحديث القوانين والحياة الأسرية، لكن آثارها باقية.
تظهر هذه الآثار في البيوت القديمة ذات الأفنية التي بُنيت للأسر الممتدة، وفي حضور المرأة البارز في الحياة العامة، وفي مؤشرات الولاية الاجتماعية. فقد بلغت نسبة الجنس في كيرالا 1,084 امرأة لكل 1,000 رجل في 2025، وهي الأعلى في الهند، بحسب ويكيبيديا. كما بلغ مؤشر التنمية البشرية فيها 0.804 في 2023، بتصنيف مرتفع جداً والمركز الثاني بين ولايات الهند.
وليس ذلك كله إرثاً واحداً للنظام الأمومي، لكن ولاية تتفوق فيها النساء على الرجال، ويقرأ فيها الجميع تقريباً، وتتذكر فيها البنات حقهن في الميراث وإن لم يتحقق دائماً على أرض الواقع، تُقرأ بشكل مختلف عن معظم محيطها الإقليمي.
كيف تبدو الحياة اليومية على الساحل؟
تنقسم الحياة اليومية بين الماء والمدن. فالممرات المائية الخلفية، وهي شبكة من البحيرات والقنوات، ما زالت تنقل البضائع والناس، وتحمل القوارب السياحية الزوار عبرها اليوم. وتصطف الشواطئ على الساحل، وتقبع المنتجعات الجبلية في غاتس في الأعلى. وقد صنفت مجلة National Geographic Traveler كيرالا ضمن عشرة جنان العالم، وما تزال الولاية من أبرز مقاصد السياحة في الهند، بحسب ويكيبيديا.
وتواكب المدن بقية الهند؛ فكوتشي، أكبر المناطق الحضرية سكاناً، تجمع مراكز التسوق والشوارع المزدحمة والمهرجانات والحياة الليلية، كما تشير مقالة ويكيبيديا المبسطة. وتجارة التوابل، التي جذبت السفن البرتغالية إلى هنا في القرن الخامس عشر والتجار قبلهما منذ زمن بعيد، ما تزال تعبر الموانئ. وتصدّر كيرالا التوابل منذ عام 3000 قبل الميلاد، بحسب المصدر نفسه.
ويتبع الطعام المحاصيل: جوز الهند في كل شيء، والجاك، والأرز من الحقول، والسمك من الساحل. ويجذب العلاج بالأيورفيدا، نظام الطب التقليدي، زواراً للعلاج إلى جانب السياح.
لماذا يصمد توازن كيرالا؟
ينجح نمط الحياة في كيرالا لأن القديم والجديد يتقاسمان الشريط الصغير نفسه من الأرض؛ فمهرجان معبد يجذب أهل المدينة ليلاً، وعمارة سكنية موّلتها التحويلات ترتفع بجواره. وتشير المؤشرات في اتجاه واحد: معرفة قراءة وكتابة مرتفعة، ومتوسط عمر متوقع مرتفع، وتقويم مهرجانات لم يذعن للمولات التجارية. وما يبقى غير واضح هو المدى الذي سيصمد فيه ركيزة التحويلات مع تغير أسواق العمل الخليجية. وفي الوقت الحالي، تحتفظ الولاية بتقويميها، وكلاهما يسدد فواتيرها.
